القرطبي
268
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الذكر . وقيل : الذكر الرسول نفسه ، قاله الحسين بن الفضل بدليل ما في سياق الآية " هل هذا إلا بشر مثلكم " [ الأنبياء : 3 ] ولو أراد بالذكر القرآن لقال : هل هذا إلا أساطير الأولين ، ودليل هذا التأويل قوله تعالى : " ويقولون إنه لمجنون . وما هو إلا ذكر للعالمين " ( 1 ) [ القلم : 51 - 52 ] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . وقال : " قد أنزل الله إليكم ذكرا ( 1 ) . رسولا " [ الطلاق : 10 - 11 ] . " إلا استمعوه " يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، أو القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته . " وهم يلعبون " الواو واو الحال يدل عليه " لاهية قلوبهم " ومعنى . " يلعبون " أي يلهون . وقيل : يشتغلون ، فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين : أحدهما : بلذاتهم . الثاني : بسماع ما يتلى عليهم . وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين : أحدهما - بالدنيا لأنها لعب ، كما قال الله تعالى : " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو " ( 2 ) [ محمد : 36 ] . الثاني : يتشاغلون بالقدح فيه ، والاعتراض عليه . قال الحسن : كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل وقيل . يستمعون القرآن مستهزئين . قوله تعالى : ( لاهية قلوبهم ) أي ساهية قلوبهم ، معرضة عن ذكر الله ، متشاغلة عن التأمل والتفهم ، من قول العرب : لهيت عن ذكر الشئ إذا تركته وسلوت عنه ألهى لهيا ولهيانا . و " لاهية " نعت تقدم الاسم ، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الاعراب ، فإذا تقدم النعت الاسم انتصب كقوله : " خاشعة أبصارهم " ( 1 ) [ القلم : 43 ] و " ودانية عليهم ظلالها " ( 3 ) [ الانسان : 14 ] و " لاهية قلوبهم " قال الشاعر : لعزة موحشا طلل * يلوح ( 4 ) كأنه خلل أراد : طلل موحش . وأجاز الكسائي والفراء " لاهية قلوبهم " بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية . وأجاز غيرهما : الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ . وقال الكسائي : ويجوز أن يكون المعنى ، إلا استمعوه لاهية قلوبهم . ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب ، ثم بين من هم فقال : " الذين ظلموا " أي الذين أشركوا ، ف " - الذين ظلموا " بدل من الواو في " أسروا " وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم ، ولا يوقف على هذا
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 255 فما بعد وص 297 ( 2 ) راجع ج 16 ص 257 ( 3 ) راجع ج 19 ص 136 ( 4 ) هو كثير عزة أي تلوح آثاره وتتبين تبين الوشى في خلل السيوف ، وهي أغشية الأغماد واحدتها خلة .